Skip to content
أحمد شوقي أحمد شوقي

في المَوتِ ما أَعيا وَفي أَسبابِهِ

في المَوتِ ما أَعيا وَفي أَسبابِهِ كُلُّ اِمرِئٍ رَهنٌ بِطَيِّ كِتابِهِ أَسَدٌ لَعَمرُكَ مَن يَموتُ بِظُفرِهِ عِندَ اللِقاءِ كَمَن يَموتُ بِنابِهِ إِن نامَ عَنكَ فَكُلُّ طِبٍّ نافِعٌ أَو لَم يَنَم فَالطِبُّ مِن أَذنابِهِ داءُ النُفوسِ وَكُلُّ داءٍ قَبلَهُ هَمٌّ نَسينَ مَجيئَهُ بِذَهابِهِ النَفسُ حَربُ المَوتِ إِلّا أَنَّها أَتَتِ الحَياةَ وَشُغلَها مِن بابِهِ تَسَعُ الحَياةَ عَلى طَويلِ بَلائِها وَتَضيقُ عَنهُ عَلى قَصيرِ عَذابِهِ هُوَ مَنزِلُ الساري وَراحَةُ رائِحٍ كَثُرَ النَهارُ عَلَيهِ في إِنعابِهِ وَشَفاءُ هَذي الروحِ مِن آلامِها وَدَواءُ هَذا الجِسمِ مِن أَوصابِهِ مَن سَرَّهُ أَلّا يَموتَ فَبِالعُلا خَلُدَ الرِجالُ وَبِالفِعالِ النابِهِ ما ماتَ مَن حازَ الثَرى آثارَهُ وَاِستَولَتِ الدُنيا عَلى آدابِهِ قُل لِلمُدِلِّ بِمالِهِ وَبِجاهِهِ وَبِما يُجِلُّ الناسُ مِن أَنسابِهِ هَذا الأَديمُ يَصُدُّ عَن حُضّارِهِ وَيَنامُ مِلءَ الجَفنِ عَن غُيّابِهِ إِلّا فَنىً يَمشي عَلَيهِ مُجَدِّداً ديباجَتَيهِ مُعَمِّراً بِخَرابِهِ صادَت بِقارِعَةِ الصَعيدِ بَعوضَةٌ في الجَوِّ صائِدَ بازِهِ وَعُقابِهِ وَأَصابَ خُرطومُ الذُبابَةِ صَفحَةً خُلِقَت لِسَيفِ الهِندِ أَو لِذُبابِهِ طارَت بِخافِيَةِ القَضاءِ وَرَأرَأَت بِكَريمَتَيهِ وَلامَسَت بِلُعابِهِ لا تَسمَعَنَّ لِعُصبَةِ الأَرواحِ ما قالوا بِباطِلِ عِلمِهِم وَكِذابِهِ الروحُ لِلرَحمَنِ جَلَّ جَلالُهُ هِيَ مِن ضَنائِنِ عِلمِهِ وَغِيابِهِ غُلِبوا عَلى أَعصابِهِم فَتَوَهَّموا أَوهامَ مَغلوبٍ عَلى أَعصابِهِ ما آبَ جَبّارُ القُرونِ وَإِنَّما يَومُ الحِسابِ يَكونُ يَومَ إِيابِهِ فَذَروهُ في بَلَدِ العَجائِبِ مُغمَداً لا تَشهَروهُ كَأَمسِ فَوقَ رِقابِهِ المُستَبِدُّ يُطاقُ في ناووسِهِ لا تَحتَ تاجَيهِ وَفَوقَ وِثابِهِ وَالفَردُ يُؤمَنُ شَرُّهُ في قَبرِهِ كَالسَيفِ نامَ الشَرُّ خَلفَ قِرابِهِ هَل كانَ توتَنخٌ تَقَمَّصُ روحُهُ قُمُصَ البَعوضِ وَمُستَخَسَّ إِهابِهِ أَو كانَ يَجزيكَ الرَدى عَن صُحبَةٍ وَهوَ القَديمُ وَفاؤُهُ لِصِحابِهِ تَاللَهِ لَو أَهدى لَكَ الهَرَمَينِ مِن ذَهَبٍ لَكانَ أَقَلَّ ما تُجزى بِهِ أَنتَ البَشيرُ بِهِ وَقَيِّمُ قَصرِهِ وَمُقَدِّمُ النُبَلاءِ مِن حُجّابِهِ أَعلَمتَ أَقوامَ الزَمانِ مَكانَهُ وَحَشَدتَهُم في ساحِهِ وَرِحابِهِ لولا بَنانُكَ في طَلاسِمِ تُربِهِ ما زادَ في شَرَفٍ عَلى أَترابِهِ أَخنى الحِمامُ عَلى اِبنِ هِمَّةِ نَفسِهِ في المَجدِ وَالباني عَلى أَحسابِهِ الجائِبُ الصَخرَ العَتيدَ بِحاجِرٍ دَبَّ الزَمانُ وَشَبَّ في أَسرابِهِ لَو زايَلَ المَوتى مَحاجِرَهُم بِهِ وَتَلَفَّتوا لَتَحَيَّروا كَضَبابِهِ لَم يَألُهُ صَبراً وَلَم يَنِ هِمَّةً حَتّى اِنثَنى بِكُنوزِهِ وَرِغابِهِ أَفضى إِلى خَتمِ الزَمانِ فَفَضَّهُ وَحَبا إِلى التاريخِ في مِحرابِهِ وَطَوى القُرونَ القَهقَرى حَتّى أَتى فِرعَونَ بَينَ طَعامِهِ وَشَرابِهِ المَندَلُ الفَيّاحُ عودُ سَريرِهِ وَاللُؤلُؤُ اللَمّاحُ وَشيُ ثِيابِهِ وَكَأَنَّ راحَ القاطِفينَ فَرَغنَ مِن أَثمارِهِ صُبحاً وَمِن أَرطابِهِ جَدَثٌ حَوى ما ضاقَ غُمدانٌ بِهِ مِن هالَةِ المُلكِ الجَسيمِ وَغابِهِ بُنيانُ عُمرانٍ وَصَرحُ حَضارَةٍ في القَبرِ يَلتَقِيانِ في أَطنابِهِ فَتَرى الزَمانَ هُناكَ عِندَ مَشيبِهِ مِثلَ الزَمانِ اليَومَ بَعدَ شَبابِهِ وَتُحِسُّ ثَمَّ العِلمَ عِندَ عُبابِهِ تَحتَ الثَرى وَالفَنُّ عِندَ عُجابِهِ يا صاحِبَ الأُخرى بَلَغتَ مَحَلَّةً هِيَ مِن أَخي الدُنيا مُناخُ رِكابِهِ نُزُلٌ أَفاقَ بِجانِبَيهِ مِنَ الهَوى مَن لا يُفيقُ وَجَدَّ مِن تَلعابِهِ نامَ العَدُوُّ لَدَيهِ عَن أَحقادِهِ وَسَلا الصَديقُ بِهِ هَوى أَحبابِهِ الراحَةُ الكُبرى مِلاكُ أَديمِهِ وَالسَلوَةُ الطولى قِوامُ تُرابِهِ وادي المُلوكِ بَكَت عَلَيكَ عُيونُهُ بِمُرَقرَقٍ كَالمُزنِ في تَسكابِهِ أَلقى بَياضَ الغَيمِ عَن أَعطافِهِ حُزناً وَأَقبَلَ في سَوادِ سَحابِهِ يَأسى عَلى حَرباءِ شَمسِ نَهارِهِ وَنَزيلُ قيعَتِهِ وَجارُ سَرابِهِ وَيَوَدُّ لَو أُلبِستَ مِن بَردِيَّهِ بُردَينِ ثُمَّ دُفِنتَ بَينَ شِعابِهِ نَوَّهتَ في الدُنيا بِهِ وَرَفَعتَهُ فَوقَ الأَديمِ بِطاحِهِ وَهِضابِهِ أَخرَجتَ مِن قَبرٍ كِتابَ حَضارَةٍ الفَنُّ وَالإِعجازُ مِن أَبوابِهِ فَصَّلتَهُ فَالبَرقُ في إيجازِهِ يُبنى البَريدُ عَلَيهِ في إِطنابِهِ طَلَعا عَلى لَوزانَ وَالدُنيا بِها وَعَلى المُحيطِ ما وَراءَ عُبابِهِ جِئتَ الشُعوبَ المُحسِنينَ بِشافِعٍ مِن مِثلِ مُتقَنِ فَنِّهِم وَلُبابِهِ فَرَفَعتَ رُكناً لِلقَضِيَّةِ لَم يَكُن سَحبانُ يَرفَعُهُ بِسِحرِ خِطابِهِ
أحمد شوقي

أحمد شوقي

View profile

أحمد شوقي (1868م - 1932م) أمير الشعراء، وأحد أبرز أعلام الشعر العربي في العصر الحديث، وُلد في القاهرة لأب شركسي وأم من أصول يونانية-تركية، ونشأ في كنف قصر الخديوي إسماعيل. حفظ القرآن مبكرًا، وتلقى تعليمه في المدارس المصرية ثم سافر إلى فرنسا لدراسة الحقوق، وهناك انفتح على الأدب الفرنسي، وتأثر بشعرائه، خصوصًا راسين وموليير. مكانته الشعرية لقبه الأدباء العرب بـ"أمير الشعراء" عام 1927، وهو أول من أدخل الشعر التمثيلي إلى العربية. نظم في جميع أغراض الشعر: المديح، الرثاء، الغزل، الحكمة، الشعر الوطني والديني، وكتب للأطفال. وبلغ إنتاجه أكثر من 23 ألف بيت شعري. من أبرز أعماله ديوانه الشوقيات (أربعة أجزاء). المسرحيات الشعرية مثل: مصرع كليوباترا، مجنون ليلى، عنترة، قمبيز. قصائد دينية، وأشهرها نهج البردة التي غنّتها أم كلثوم. كتب نثرية منها: عذراء الهند، أسواق الذهب. منفى الأندلس نُفي إلى الأندلس (1915م) بسبب شعره الوطني، فكتب في الحنين لمصر والتاريخ الإسلامي، وتوسع في الأندلسيات. عاد إلى مصر بعد الحرب العالمية الأولى. ثقافته وأسلوبه جمع بين الثقافة العربية والغربية، وامتاز شعره بالبلاغة، وجمال الصورة، وسهولة اللفظ، وقدرة موسيقية نادرة. تأثر بالشعراء الكبار وقلّدهم، لكنه جدّد في الأسلوب والموضوع. وفاته توفي في 14 أكتوبر 1932م، وخلّف تراثًا ضخمًا جعله في طليعة شعراء العصر الحديث.

Unlock the Power of Language & AI

Benefit from dictionaries, spell checkers, and character recognizers. A revolutionary step for students, teachers, researchers, and professionals from various fields and industries.

Lughaat

Empower the academic and research process through various Pakistani and international dictionaries.

Explore

Spell Checker

Detect and correct spelling mistakes across multiple languages.

Try Now

OCR

Convert images to editable text using advanced OCR technology.

Use OCR